النويري
11
نهاية الأرب في فنون الأدب
قال : ومن ملوكهم خصليم وهو أوّل من عمل مقياسا لزيادة الماء ؛ وذلك أنه جمع أصحاب العلوم والهندسة فعملوا بيتا من رخام على حافة النيل ، وجعل في وسطه بركة من نحاس صغيرة فيها ماء موزون ، وعلى حافتي البركة تمثال عقابين من نحاس ذكر وأنثى . فإذا كان في أوّل الشهر الذي يزيد فيه الماء « 1 » فتح باب البيت وحضر الكهّان وأمناء الملك وتكلَّموا بكلام لهم حتى يصفر أحد العقابين ، فإن صفر الذكر كان الماء زائدا ، وإن صفرت الأنثى كان الماء ناقصا ، ثم يعتبرون الماء فكلّ إصبع يكون في تلك البركة فهو ذراع من زيادة النيل ، وكل إصبع ينقص فهو نقصان ذراع . فإذا علموا ذلك حفروا الترع وأصلحوا الجسور . وعمل على النيل القنطرة التي هي ببلاد النّوبة . وكان له ابن سمّاه هرصال « 2 » ، أي خادم الزّهرة ، لرؤيا كانت رأتها أخت الملك أن الزّهرة تخاطبها ، وكفلت الغلام عمّته ، واسمها خرداقة ، « 3 » وأدّبته أحسن التأديب ، وزوّجته عشرين « 4 » امرأة من بنات الملوك والعظماء ، وبنت له مدينة فيها عجائب كثيرة ، احتفلت بها وزيّنتها بأحسن النقوش والزينة والعمارة ، وعملت فيها حمّاما معلَّقا على أساطين يرتفع الماء إليها حارّا من غير وقيد . « 5 » ولمّا هلك خصليم دفن في ناووس . ثم ملك بعده ابنه هرصال بن خصليم فتحوّل إلى المشرق وسكنه ، وبنى مدينة هي إحدى المدائن ذوات العجائب ، وعمل في وسطها صنما للشمس يدور بدورانها ويبيت مغرّبا ويصبح مشرّقا . ويقال : إنه عمل من تحت النيل سربا . وهو أوّل
--> « 1 » كذا في الأصول . وفى المقريزي ( ج 3 ص 14 طبعة فييت ) : « النيل » . « 2 » ضبطت هكذا بالقلم في نسخة ب . « 3 » ضبطت هكذا ( بكسر الخاء المعجمة ) بالقلم في نسخة ب . « 4 » في نسخة ( ب ) : « وزوجته امرأة » . « 5 » الوقيد : ما توقد به النار من الحطب ونحوه .